ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
140
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
أن تشمر في هذا الأمر تشميرا يرهبه الناس « 1 » ، ولا تدع ربا حتى تضعه وأول ربا تضعه ربا العباس ، فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير ، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير ، وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود ، وتفترض فيه العقود ، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات الوقود ، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزا ، وألسنتها همزا ولمزا ، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين اللات والعزّى ، ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه ، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه ، فعدّل ميل هؤلاء تعديلا ، وتخوّلهم على مرور الأيام تخويلا واعلم أنك قد وليت من الكيل والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة فباشرهما بيدك مباشرة الاختيار والاختبار ، ولا تقل أهلهما عثرة فإن الإقالة لا تنهى عن العثار ، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه ، ولا فقهت نفسه ، وليس همه إلا فرجه أو ضرسه ، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشّوى ، تدعو من أدبر وتولى ، ومن آثارها أنها ترجّ أرض الرأس رجّا ، وتفرج سماءه فرجا ، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا . وقد كثر في الأسواق الخلابة والنّجس وتلقّي الرّكبان وبيع الحاضر للبادي وتنفيق السّلعة باليمين الكذابة ، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها ، والنهي عن تورّد مكانها ، فمن قارف شيئا منها جاهلا بتحريمه فقوّمه بالتعليم ، واهده إلى الصراط المستقيم ، ومن عرف ما اقترف فأذقه حرّ التأديب ، قبل أن يذاق غدا حرّ التعذيب ، وأعلمه أن الأرزاق بيد اللّه تعالى لا ينقصها عجز القاعد ولا يزيدها حرص الكادح ، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر والوادع بصفقة الرابح ، ومن سنة اللّه تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرا ، ويمحق الحرام وإن كان كثيرا ، ومن الناس من آتاه اللّه مالا فبثّ في الأسواق جنود ذهبه وورقه ، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله ووسعه الكيل من ذوات وسقه ، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق ، ومدد الرزق ، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق اللّه محتكرا ،
--> ( 1 ) في ا ، ب ، ج « برهة الباس » وما أثبتناه عن د .